ابن سعيد علي بن موسى الأندلسي
36
المقتطف من أزاهر الطرف
الدفاعي عن نفسها تجاه حضارة المشرق الأم ، وهو موقف من يحس بفضل حضارة أخرى عليه ، ولكنه يريد أن يثبت أنه وإن كان مصدر حضارته من غيره ، فإنه قد تفوق فيما أخذ وتميز فيما أبدع ، وأصبح بعد ذلك صاحب شخصية مستقلة يمكن أن تطاول من كان السبب في وجودها . وهذا الموقف الدفاعي هو الذي جعل ابن دحية يؤلف كتابه « المطرب من أشعار أهل المغرب ، للملك الكامل الأيوبي ، ليعرف المشارقة بالشعر الأندلسي والمغربي « 1 » فجمع في كتابه صورا مما « يهتز عند سماعه ويطرب ، في الغزل والنسيب ، والوصف والتشبيب ، إلى غير ذلك من مستطرفات التشبيهات المستعذبة ومبتكرات بدائع بدائه الخواطر المستغربة « 2 » ، ولمح سير ملوك المغرب وملح أخبار أدبائه ، ورقيق معاني كتّابه ، وجزل ألفاظ خطبائه » « 3 » وقد أخذ يذكر الأمثلة من الشعر التي تفوق فيها شعراء الأندلس ، فيأتي مثلا بأبيات للحكم الغزالي ويقول : « هذا الشعر لو روى لعمر بن أبي ربيعة أو لبشار بن برد أو للعباس بن الأحنف ومن سلك هذا المسلك من الشعراء المحسنين لا ستغرب له ، وإنما أوجب أن يكون ذكره منسيا أن كان أندلسيا ، وإلا فماله أخمل ، وما حق مثله أن يهمل » « 4 » وإذا كان ابن دحية قد أطلق لفظ « المطرب » على لون من الشعر استأثر بإعجابه ، فإننا نجد ابن سعيد يتسع في هذه المصطلحات التي تقف عند طبيعة « الصورة الفنية » ويقسمها حسب ما تثيره في النفس من إعجاب إلى خمسة أقسام : المرقص ، ثم يليها المطرب ، فالمقبول فالمسموع ، وأخيرا المتروك . يقول في كتابه
--> ( 1 ) ينسب ابن سعيد ما وصل اليه شمالي أفريقية ( وخاصة مراكش وتونس ) من حضارة وعمران إلى الأندلس ورجالاته أنظر النفح 3 / 152 - 153 ( 2 ) فطن الدكتور إحسان عباس إلى صورة من صور اللقاء بين مصر والأندلس في قول ابن دحية « بدائع بدائه الخواطر » حيث يلتق في هذا مع معاصره المصري ابن ظافر في تسمية كتاب له « بدائع البدائة » فهو التقاء لا من حيث الاهتمام بموضوع واحد فحسب ، بل من حيث الالتقاء عند تسمية واحدة ( تاريخ النقد الأدبي ص 531 ) ( 3 ) المطرب ص 4 . ( 4 ) المطرب ص 145 .